أدب وشعر

الصمتُ والبوحُ»

«الصمتُ والبوحُ»
«الأدبُ الحقيقيُّ هو أن يتمكنَ الكاتبُ بفلسفةٍ ما، من إخراجِ البوحِ الأدبيِّ من أنينِ الصمتِ المذبوحِ؛ دون أن ينزفَ حرفُ الركامِ ويتمخضَ الحلمُ ويتشكلَ الوجعُ في هيئةِ ملامحَ ضبابيةٍ، ويبقي شيءٌ مسكونٌ بالألمِ يزاحمُ الصبيةَ في النزالِ بلا وقارٍ ولا هيبةٍ؛ ربما يضاهي الألقُ وجهَ الأرقِ الشاحبِ للفتي النحيلِ، ويتساوى حالُ الغيامِ بوجومِ العدمِ عند لحظاتِ غروبِ الخجلِ؛ فقد ترحلُ عنا مفاتنُ الإبهارِ ويبقى العمرُ ملتصقاً بأطرافِ النهارِ، يسودُ طقسُ الشرودِ ذلفَ الليلِ للكهلِ؛ تلاحمٌ وجدانيٌّ حين يظهرُ الفارسُ الصبورُ وهو يمسكُ بعنانِ مهرهِ، يستحضرُ الأدبُ الشارحُ لتفاصيلِ الوعيِ الغائبِ؛ تأبى حكمةُ الإدراكِ أن يستدرجَ الصوتَ الجهوريَّ من داخلِ النفسِ لفلكٍ متحررٍ تسبحُ فيه الجروحُ مع فئاتٍ تعشقُ التصدعاتِ في صراعٍ مقيتٍ.
فسحةُ الأملِ في هزيعٍ أكحلَ بين الصمتِ العقورِ، والبوحِ، والدموعِ؛ تتشكلُ في صورةِ هيتانِ المطرِ، تغمرُ الأرضَ بالصمتِ حتى لا تتكشفَ سوأةُ الفقدِ الجللِ للمشاعرِ، وتنفكَّ القيودُ بلا تريثٍ عن المرآةِ الخجولِ، فتبكي العجماءُ النجلاءُ بحرقةٍ في منطقةٍ مظلمةٍ داخلَ الروحِ التي لا تبوحُ لأحدٍ. إن الصمتَ المطبقَ تنهمكُ قوى ضعفهِ بين فكي حربٍ ضروسٍ بلا أصواتِ البارودِ الخارقِ لحصونِ الطودِ، لكنَّ حرزَ الكلماتِ المتهومةِ بالتقاعسِ عن الإفصاحِ في وقتِ السحرِ لا تحجبُ وشاحَ الحقيقةِ عن العلنِ؛ لكنها تبقي سرَّ الوداعِ الأخيرِ في خرقةٍ مغزولةٍ بالسعفِ الأحمرِ، تكادُ أن تتبرأَ منها صرةُ الحريرِ الذي يشغلُ من نسجهِ ذهبياتِ الترحِ المعزولِ عن العالمِ بعد اهتزازِ الثقةِ وانعدامِ الرؤى.
لكنَّ المفاجأةَ التي ترفعتْ عن الدخولِ في إضرابٍ عن الوجدِ بدائرةِ الوجدانِ أذهلتِ العقلَ في مشهدٍ مفرطٍ بالجمالِ؛ حينما يتقدمُ الوجعُ بالدليلِ القاطعِ على حجةِ احتجازهِ للكلامِ إلى محكمةٍ لا يستأنفُ فيها قرارٌ، ثم بدفاعِ البوحِ إذ فجأةً ينتفضُ يستقرأُ المشهدَ، يشيرُ إلى الانتصارِ المسبقِ بلغةِ الإشارةِ الحاسمةِ التي تتفوقُ على الحاسوبِ الذكيِّ؛ ولا سيما يستحضرُ منطقَ العدالةِ، ثم يفصحُ عن رغبتهِ بأنهُ سيلتزمُ الصمتَ من الآنَ حتى الموتِ! فلا تدارُ المعاركُ بالمواجهةِ، وإن كان لا مناصَ من الاستغناءِ بالأحرى؛ فضُّ اشتباكِ تراشقِ الدمعِ بالنظراتِ التي أفقدتِ الصبرَ القدرةَ على الإنصاتِ.. إذن؛ كيف تدارُ الأزماتُ الطاحنةُ ونحنُ نفتقدُ فراسةَ البوحِ عند اندلاعِ الغارةِ ودقِّ الطبولِ بأن هناك حرباً لا محالةَ قادمةً؛ فلا يهزمها إلا صمتُ صليلِ الصيحةِ وانزياحُ صرخةِ الخوفِ عن منافذِ القتالِ، حينذاك تشتدُّ سواعدُ رماةِ النبالِ؟! ويتعايشُ الصمتُ رغم اختيارِ العزلةِ وجهتهُ.»
الكاتب/ محمد إبراهيم الشقيفي

منصة تقارير

خالد حسين البيومى كاتب صحفي رئيس مجلس إدارة موقع وجريدة أخبار السياسة والطاقة نائب رئيس مجلس إدارة موقع تقارير الصادرة عن الجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة الأمين العام للجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة عضو بالمراسلين الأجانب عضو بالإتحاد الدولى للأدباء والشعراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock