بين الحرب والخبز: كفاح مصر للإبقاء على معيشة مواطنيها في منطقة تشتعل بالنيران
بين الحرب والخبز:
كفاح مصر للإبقاء على معيشة مواطنيها في منطقة تشتعل بالنيران
بقلم /دكتورة ضحي عبد الحميد،
الخبير الاقتصادي الدولي
طاولة المطبخ وغرفة العمليات الحربية
ثمة قلقٌ خاص يخيّم على المنزل حين يرتفع سعر الخبز دون أن يستطيع أحدٌ تفسير السبب. لم يُسمع انفجار، ولم تُتجاوَز أية حدود. الأطفال ما زالوا يذهبون إلى مدارسهم، والشوارع ما زالت تعجّ بضجيجها المألوف. ومع ذلك، ثمة شيءٌ قد تحوّل — في السوق، في المزاج العام، في وجوه المواطنين، وفي الحسابات الصامتة التي يُجريها الأب في طريق عودته من العمل.
هكذا تصل الحروب البعيدة إلى طاولة المطبخ المصري. لا بالأعلام والأبواق، بل في الحسابات الهادئة لميزانية أسرة لم تعد تستقيم.
الحربُ التي تلتهم الشرق الأوسط الأوسع الآن — والتي تضع الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران على مسارح متعددة، من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن سواحل اليمن إلى ممرات بلاد الشام المتنازع عليها — ليست حربَ مصر ذاتها. لم تُرسل مصر جنودًا إلى المعارك، ولم تُعلن انحيازها لطرف دون أخر الذي قد يبدو مُغريًا في هذه اللحظة. ومع ذلك، فإن مصر تتحمّل تكاليف الحرب بصورة مباشرة لا يدرك مداها الكثيرون خارج حدودها، ويشعر بها مواطنوها بحدّةٍ لم يُقرّ بها بعدُ أيُّ تصريح رسمي إقرارًا وافيًا.
السؤال الذي يتصدّر الحياة العامة المصرية في عام 2026 بسيطٌ في ظاهره، عميقٌ في جوهره: في منطقة تشتعل بالنيران، كيف تستطيع الحكومة الإبقاء على معيشة مواطنيها في مستوي اقتصادي مقبول؟
تقاطع الضغوط
لفهم المأزق الجيوسياسيي–الاقتصادي المصري الراهن، يجب مقاومة إغراء اعتبار الحرب مصدر الأزمة. فهي ليست كذلك. إنها الوقود الذي يُضاعف اشتعالها.
قبل أن يُطلق الصاروخ الأول في الاشتباكات الإقليمية الأخيرة، كانت مصر تُدير بالفعل جملةً متشعبة من الضغوط والحروب الاقتصادية. الموجة التضخمية التي بدأت تتصاعد في عام 2022 — والمدفوعة في أصلها بالحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها الكارثية على أسعار القمح والطاقة عالميًا — كانت قد أفقدت ملايين الأسر المصرية قدرتها الشرائية، ولا سيما تلك التي تنتمي إلى الشرائح الدنيا والمتوسطة التي تُنفق الجانب الأكبر من دخلها على الغذاء والوقود.
وكانت الموجات المتعاقبة من تعديلات سعر الصرف — رغم ضرورتها المالية — قاسيةً اجتماعيًا علي المواطن. باتت السلع الأساسية التي كانت في متناول الجميع من قبيل الرفاهيات مع اتساع رقعة الفقراء. والمدخرات التي استلزم تراكمها سنواتٍ تبخّرت نصف قيمتها الحقيقية في صمت. وأفضى عبء الدين الخارجي — وما فرضه من انضباط مالي — إلى تضييق هامش المناورة أمام الإنفاق الاجتماعي الذي كان يمكنه أن يُخفّف الوطأة.
وظلّ معدل البطالة في صفوف الشباب مرتفعًا بشكل عنيد. ولم يتحقق بعدُ وعد الاقتصاد الحيوي المتنوع، القادر على استيعاب طموحات طاقة سكانية شابة في طور النمو.
ثم جاءت الحرب.
ومعها: يظهر مشهد البحرٌ الأحمر في أزمة، وأسعار نفط تتصاعد، وسلاسل إمداد تتعقّد، ومستثمرون يترقبون على الهامش، وسياح يُعيدون النظر في خططهم لزيارة المنطقة، وتحويلات مالية من العمالة المصرية في الخليج تقع في مفترق هواجس عدم الاستقرار الإقليمي.
لم تتعثّر مصر فجأةً في عاصفة. بل كانت تشقّ طريقها وسط أمواج متلاطمة منذ أمد، حين اكتسى الأفق حاليا بتلك القتامة.
جرح قناة السويس
لا يجسّد مؤشرٌ اقتصادي واحد التحديات التي تواجهها مصر وأهميتها الاستراتيجية بوضوح مثلما هو الحال بالنسبة لأداء عوائد قناة السويس.
لعقود خلت، لم تكن القناة مجرد ممرّ مائي عادي. إنها تعبيرٌ عن قدر جغرافي: المضيق الضيق الذي يجب أن يعبر منه قدرٌ وافر من التجارة العالمية، والذي تستخلص منه مصر عائدًا سياديًا من موقعها الفريد بين قارات العالم الثلاث الكلاسيكية. ويبلغ هذا العائد في الأعوام ذات الأداء الجيد ما بين ثمانية وعشرة مليارات دولار سنويًا من العملة الأجنبية — وهو رقمٌ يدعم الواردات، ويُثبّت الاحتياطيات، ويوفر وسادةً دفاعية في مواجهة الصدمات الخارجية.
وقد ثقبت أزمة البحر الأحمر تلك الوسادة بسرعة مثيرة للقلق. إذ لجأت كبرى شركات الشحن العالمية إلى تحويل مسارات سفنها عبر رأس الرجاء الصالح، بعد أن جعلت هجمات الحوثيين — المتواصلة والجريئة في سياق الحرب الإقليمية الأشمل — المدخل الجنوبي للقناة مجازفةً متصاعدة الخطورة. وبالفعل يكلّف ذلك الناقلين وقتًا ومالًا. أما مصر فيكلّفها هذا الأمر شيئًا أكثر جوهرية: التأثير علي مجرى الإيرادات الهادئ الثابت الذي تتوقف عليه منظومة واسعة من المتطلبات الاقتصادية الأخري.
والتداعيات تلك ليست مجردة. فالاقلال من احتياطيات العملة الأجنبية يُقلّص هامش مناورة البنك المركزي. والضغط على الاحتياطيات يتسرّب إلى سعر الصرف. والعملة المتراجعة ترفع فاتورة تكاليف الواردات — وفي بلدٍ يستورد كميات كبيرة من القمح والأدوية والمدخلات الصناعية ومنتجات الطاقة، يعني ذلك تضخمًا؛ والتضخم، في مصر كما في سائر أنحاء العالم، ضريبةٌ يدفعها بصورة غير متناسبة أولئك الأقل قدرة على تحمّلها.
المعادلة الإنسانية
ضع لغة الاقتصاد الكلي ومفرداته جانبا —مثل المصطلحات المتعارفة للاقتصاديين مثل نقاط الأساس، وأرقام ومؤشرات الحساب الجاري، ومسارات الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي — فلن يتبقى لك سوى حقيقة إنسانية بسيطة في مكنونها.
مُدرِّسة في إحدى محافظات الدلتا لم يواكب راتبها ارتفاع سعر زيت طهي الطعام. وصاحب مصنع صغير في الإسكندرية باتت موادّه الخام المستوردة تكلّفه ثلثًا أكثر مما كانت قبل ثمانية عشر شهرًا. ومهندسٌ شاب في القاهرة يحسب بيأسٍ متصاعد إن كانت ملكية مسكن ستبقى في متناوله يومًا ما. وعائلة في صعيد مصر تعتمد على تحويلات ابنها العامل في الرياض، وتُتابع الأخبار القادمة من الخليج بخوفٍ لا تُفصح عنه بالكامل.
هذه هي وجوه ما وراء البيانات. وعلى هذه الوجوه — لا على مفردات السياسة النقدية — يجب أن يُبقي العقل المصري تركيزه، إن أراد اجتياز هذه المرحلة دون أن يتصدّع العقد الاجتماعي الذي يجمع أمةً تتخطى المئة مليون نسمة.
تدخل الحكومة الجديدة هذا المشهد والاشكالية المعقدة في عام 2026 بتكليف صريح: فتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي لرئاسة مجلس الوزارء واضحة في إصرارها على جعل المواطن محور ثقل كل سياسة وقرار ونفقة تتخذ وتتبع. وليس ذلك في حد ذاته تصريحًا سياسيًا مستحدثًا. ما يمنحه ثقلًا — أو ما يجب أن يمنحه إياه — هو الالتزام السياسي والتنفيذي التي يُنفَّذ بها في ظل شروط محددة وقاسية لاقتصاد حرب.
وإن كان توجيه “المواطن أولًا” يعني شيئًا أبعد من المنظور البروتوكولي الشكلي، فإنه يستلزم ثلاثة أمور يتوجب العمل عليها في آنٍ واحد: حماية الفئات الأشد ضعفًا من الانهيار الاقتصادي؛ ووقف تآكل الطبقة الوسطى؛ والاستثمار — حتى في ظل القيود المالية — في رأس المال البشري الذي سيُحرّك أي تعافٍ مرتقب.
مسألة شبكة الأمان
تطوّرت بنية الحماية الاجتماعية في مصر تطورًا ملحوظًا على مدار العقد الماضي. فبرنامج التحويلات النقدية “تكافل وكرامة”، على سبيل المثال، بات يصل إلى ملايين الأسر المستفيدة — وهو إنجازٌ حقيقي في آليات توجيه الدعم الحكومي لمستحقيه. ودعم الخبز والوقود، رغم عدم كفاءته المالية، يبقى أبرز تجليات عقد اجتماعي يعد المصريين العاديين بأرضية لن يُسمح لهم بالهبوط دونها.
غير أن الأزمة الراهنة تختبر هذه البنية بأساليب لم تُصمَّم لاحتمالها إلى أجل غير مسمى.
الدعم مكلف. وفي ظل ارتفاع أسعار السلع العالمية وعملة ضعيفة، تتضخم تكاليف الحفاظ عليه في اللحظة التي يكون فيها الهامش المالي في أضيق حالاته. وإغراء التقليص — المتشح برداء الإصلاح والاستدامة — حاضرٌ دائمًا. وعواقب الاقتصاد السياسي لتخفيض الدعم معروفةٌ جيدًا: الألم فوري وتركّزه يكون على الفقراء؛ والفوائد المالية التي قد تنتج غالبا ما تكون مُتفرَّقة وبعيدة الأمد.
ما هو مطلوب ليس الاختيار بين الانضباط المالي والحماية الاجتماعية، بل منظورا لدمجٌ وتكامل أكثر بينهما. وهذا يعني جعل الدعم أكثر ذكاءً — أفضل استهدافًا، أقل استنزافًا، أكثر استجابةً للاحتياج الفعلي للأسرة — بدلًا من مجرد تقليصه. ويعني بناء منظومات توصيل رقمية قادرة على إيصال الدعم المناسب للأسر المستهدفة وفي الوقت المناسب. ويعني ذلك أيضا الصراحة الواجبة إزاء حدود ما تستطيع أيُّ حكومة تحقيقه منفردةً حين تكون البيئة الخارجية بهذه الشراسة. ومن هنا تبرز أهمية نوعية الخطاب الاعلامي الرشيد والمتواصل والمدعم بالدلائل والأرقام والذي يراعي أوجاع المواطن وآلامه الاقتصادية بصورة لحظية.
التنوع الاقتصادي والقطاعي: الإجابة الوحيدة الدائمة
الدرس الأعمق لهذه الأزمة — وللصدمة التي سبقتها عام 2022، وللاضطراب الناجم عن كوفيد-19 الذي سبق ذلك — هو درسٌ تصارعه مصر منذ سنوات دون أن تستكمل حسمه بعد: اقتصادٌ مبني على قاعدة ضيقة من مصادر النقد الأجنبي هو اقتصادٌ يبقي على بُعد صدمة واحدة دائمًا من الأزمة.
قناة السويس، والسياحة، والتحويلات المالية، والهيدروكربونات — ليس هناك ما يعيب في كونها مصادر دخل. المشكلة هي تركّز تلك الموارد — ومنها ما يصاحب من غياب للاحتياطيات والبدائل الكافية لاستيعاب اللحظات الحتمية التي ينضب فيها واحدٌ أو أكثر من هذه الروافد.
الطريق نحو المرونة الدائمة يمر عبر التنوع الاقتصادي والقطاعي: توسيع حقيقي ومستدام للطاقة الانتاجية والقواعد التصنيعية وصادرات ما هو بخلاف الهيدروكربونات؛ وتطوير اقتصاد رقمي يخلق وظائف عالية القيمة المضافة لجموع شباب مصر الضخم الغني الذي لم تُستثمر طاقاته بعد؛ ودفعٌ جاد نحو الطاقة المتجددة وربطها بمخطط يوازي نمو حجم الطلب عليها مما يُخفّف فاتورة الاستيراد ويقوم باحلالها بل ويبني خبرةً وطنية قابلة للتصدير.
فلنجزم بأن لا شيء من هذه التحولات يحدث بسرعة. وكلّها يستلزم إرادةً سياسية مستدامة، وكفاءةً مؤسسية، وبيئةً تنظيمية تجعل مصر وجهةً استثمارية موثوقةً وجاذبةً لرأس المال المنتج — لا مجرد ملاذ للأموال الساخنة التي تقوم علي عمليات مضاربة قصيرة المدي. وبالفعل لا تُعفي الأزمة من التأخير — بل تجعل الإلحاح عليها أكثر حدّة وشدة.
ورقة الدبلوماسية المصرية
ثمة بُعدٌ من أبعاد هذه الأزمة كثيرًا ما يُقلَّل من شأنه في التحليلات الاقتصادية المحضة: المحورية الجيوسياسية لمصر ليست مجرد مصدر ضعف. إنها أيضًا، حين تُوظَّف بمهارة وانضباط، تصبح مصدرُ نفوذ.
علاقات مصر تمتد عبر الطيف الكامل للأطراف الفاعلة الإقليمية والدولية. فهي تحافظ على علاقات عمل طيبة مع واشنطن وعواصم الخليج، وتمتلك قنوات تواصل تاريخية ومستمرة مع طهران، وتحظى باحترام واسع عبر القارة الأفريقية والأوروبية، وتحتفظ بمصداقية فريدة بين الدول العربية بوصفها بلدًا ذا ثقل ورزانة وعمق مؤسسي.
في منطقة تستهلكها الحرب، يُعدّ الوسيط الموثوق أصلًا نادرًا وثمينًا. لا ينبغي لمصر — ولا يجب عليها — أن تنجرّ إلى صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل. لكنها تستطيع وتجب عليها أن تنمّي بفاعلية دورها البناء كجسرً للتقارب والتلاحم والتفاهم: تيسيرًا للحوار، ودفعًا نحو التهدئة، وتموضعًا بوصفها وسيطًا لا غنى عنه في أي مسار تسوية يظهر أيا كان في نهاية المطاف.
وليس ذلك ضربًا من الإيثار. فالاستقرار الإقليمي يساوي قيمة لمصر أكثر من أي حزمة مساعدات ثنائية قد تتلقاها. والصون الدولي الناجم عن الانخراط الدبلوماسي الموثوق يُترجَم أوتوماتيكيا، بصورة ملموسة، إلى تمويل ميسّر وشراكات استثمارية وترتيبات تيسير تجاري تحتاجها مصر لتثبيت اقتصادها خلال الأشهر العسيرة المقبلة.
الاستعداد لما بعد الحرب
الحروب تنتهي. وهذه ستنتهي أيضًا — وإن كان لا أحد يستطيع التكهن بموعدها بدقة.
حين تنتهي، سيكون شكل المشهد الإقليمي مغايرًا. بعض الأمور ستكون أسوأ. وأخرى ستظهر بشكل أخر— إعادة هيكلة التحالفات، واحتمال ترتيبات اقتصادية جديدة، وإعادة فتح ممرات التجارة — قد تُتيح فرصًا حقيقية لمصر اذا ما أعددنا العدة جيدًا من الأن فصاعدا.
لذا، فإن انضباط التخطيط للسيناريوهات — الاستعداد الدقيق لمستقبليات بدائل متعددة لا لمحصلة واحدة مفترضة — ليس تمرينًا روتينيا، بل ضرورةٌ استراتيجية ملحة. فإن برزت تسوية سريعة خلال العام، فتحتاج مصر إلى بنية تحتية متينة وأطر تنظيمية وقدرات مؤسسية جاهزة لاستيعاب التعافي بسرعة. وإن طالت الحرب لعامين أو أكثر، تحتاج إلى احتياطيات أعمق وآليات دعم اجتماعي أوسع وقاعدة اقتصادية أكثر تنوعًا بجرأة وابتكارية. وإن تصاعد الصراع وامتدّ إلى حدود جديدة غير معلومة تفوق الأماد أعلاه، تحتاج إلى خطط طوارئ تحمي الأمن القومي واستمرارية الاقتصاد معًا علي التوازي.
والحكومات التي تخرج أشدّ منعةً من حقب الاضطراب الإقليمي هي دومًا تلك التي لم تنتظر اليقين قبل أن تستعدّ للتغيير والتحولات الاصلاحية.
خاتمة: الخبز والوعد
كل دولة تقوم في نهاية المطاف على وعد وعقد اجتماعي غير موقع. وفي حالة مصر، ذلك الوعد — العريق، الضمني، العميق الوطأة في الوجدان — هو أن الدولة ستوفّر: الاستقرار، وسبل العيش، والكرامة، وعدالة توزيع ثمار التنمية، ومستقبلًا يستحق العمل من أجله.
والضغوط الاقتصادية الداخلية المتراكمة، مع الصراع الخارجي، تُجهد ذلك الوعد. والهوة بين ما يُوعَد وما يُنجَز — في الفصل الدراسي، وفي غرفة الطوارئ، وفي ميزانية الأسرة — هوةٌ إن تُركت تتّسع، بل أكلت جسور الثقة الذي يتوقف عليها الحكم المستقر.
توجيهات الرئيس السيسي لرئاسة مجلس الوزارء الجديد بوضع المواطن في قلب عمله صمام أمان حقيقي، فهي في هذا السياق، وفي ذات الوقت: التزامٌ سياسي، واختبار. ولا يكون التوفيق في هذا الاختبار بالخطب والتصريحات فقط. النجاح — أو الإخفاق — يتجلّى في سعر كيس الدقيق، وجودة تعليم الطفل، وتوافر سرير المستشفى، والكرامة الممنوحة لمتقاعد يحاول التماسك والمضي بالعيش في مدينة ارتفعت تكاليفها أسرع مما يتصاعد دخله من معاشة في أي يوم.
لقد اجتازت مصر ما هو أشدّ وطأةً من هذا الموقف بكثير. وقدرتها الحضارية على الصمود ليست محل شك. ما هو على المحكّ في هذه اللحظة بالذات ليس البقاء — فمصر ستبقى — بل جودة العقد الاجتماعي الذي ستخرج به إلى الجانب الآخر وطابعه.
أمةٌ بهذا الحجم، وهذا التاريخ، وهذه الثقافة ذات العبقرية المكانية والجغرافية والثقافية والانسانية، لا تكتفي بامتصاص العواصف الكبرى. في أحسن أحوالها، تحوّلها إلى ساحات تستدعي التجدد وبعث العنقاء من رمادها.
بين الحرب والخبز، ثمة حكومةٌ تحمل تكليفًا واضحا وصريحا للعمل الجاد لتثبيت أركان الدولة والمواطن، وشعبٌ يمتلك احتياطيات استثنائية من الصبر والمرونة والطاقة التي لا تنضب، وخيارٌ أمام الاثنين حول أيّ مصر تُبنى في السنوات المقبلة لرفاهية المواطن وازدهاره.
وذلك الخيار لا يزال مفتوحًا. وهذا، في حد ذاته، أهم شيء ينبغي إدراكه كمدخل صحيح لتناول حلول تبعات الظرف الراهن وما يليه.



