تحقيقات

بمشاركة مصرية ودولية.. معرض «DIALOG» في فيينا يكرّس الفن لغةً للتفاهم الإنسانى بقلم / هاله المغاورى فيينا

في مدينةٍ تتقاطع فيها الثقافات وتتشابك الهويات، لم يعد الفن مجرد مساحة للعرض الجمالي، بل تحوّل إلى لغة عالمية قادرة على إعادة تعريف الحوار الإنساني في زمن الانقسامات. ومن قلب العاصمة النمساوية فيينا، جاء معرض “DIALOG – حوار” ليؤكد أن اللوحة يمكن أن تقوم بالدور الذي تعجز عنه السياسة أحيانًا، وأن الريشة قادرة على فتح نوافذ للتفاهم بين الشعوب والثقافات المختلفة.
المعرض الذي استضافه المكتب الثقافي المصري في فيينا مساء الإثنين، لم يكن مجرد فعالية فنية تقليدية، بل بدا كمنصة ثقافية تحمل أبعادًا فكرية وإنسانية تتجاوز حدود الفن التشكيلي. فمن خلال تعاون جمع “البيت العربي النمساوي للثقافة والفنون” برئاسة محمد عزام، و”مجموعة إل-كردي الفنية”، قُدمت تجربة بصرية متعددة الأصوات، شارك فيها فنانون من خلفيات وجنسيات متنوعة، في انعكاس حيّ لفكرة “الحوار” التي حملها عنوان المعرض.
وشهدت الفعالية حضور المستشار محمد سامح، القنصل العام لجمهورية مصر العربية في النمسا، في تأكيد على الاهتمام الرسمي المصري بدعم الأنشطة الثقافية والفنية التي تعزز التقارب الحضاري وترسخ صورة الثقافة المصرية والعربية في المشهد الأوروبي.
وافتتح الفعالية الأستاذ الدكتور خالد أبو شنب، المستشار الثقافي المصري ومدير البعثة التعليمية في فيينا، بكلمة ركّز فيها على أهمية القوة الناعمة في بناء جسور التواصل الحضاري، معتبرًا أن الفنون تمثل أحد أهم أدوات التقارب بين الشعوب، خاصة في ظل عالم يشهد تصاعدًا في الاستقطاب والصراعات الثقافية.
ولم يكن اختيار اسم “DIALOG” تفصيلاً عابرًا، بل جاء معبرًا عن جوهر التجربة الفنية نفسها. فالأعمال المعروضة لم تتحدث بلغة واحدة، بل تنوعت بين المدارس الكلاسيكية والتجريدية والتعبيرية المعاصرة، لتخلق حالة من النقاش البصري المفتوح بين الفنان والمتلقي. هذا التنوع لم يظهر كاختلاف متنافر، بل بدا كفسيفساء متكاملة تعكس قدرة الفن على احتواء التعدد وتحويله إلى مساحة مشتركة للفهم والتأمل.
كما ألقت نورا الكردي، رئيسة مجموعة “إل-كردي الفنية”، كلمة أوضحت خلالها رؤية المجموعة القائمة على توظيف الفن كأداة للحوار الثقافي والإنساني، مؤكدة أن الإبداع الحقيقي لا ينتمي إلى حدود جغرافية، بل إلى الإنسان أينما كان.
وفي السياق ذاته، شدد الدكتور خالد شعلان نائب السفير المصري في فيينا على أهمية الدور الثقافي والفني في دعم العلاقات بين الشعوب، معتبرًا أن الفعاليات الفنية باتت تمثل ركيزة أساسية للدبلوماسية الثقافية الحديثة، خاصة في المجتمعات الأوروبية متعددة الثقافات.
وشارك في المعرض عدد من الفنانين والفنانات، من بينهم نورا الكردي، إياد حسن، إيمان حسين، وسيلفيا جينوفا، إلى جانب أسماء أخرى قدمت أعمالًا اتسمت بالتنوع في الأسلوب والرؤية، لكنها التقت جميعًا عند فكرة واحدة: أن الفن مساحة إنسانية قادرة على تجاوز اللغة والانتماءات الضيقة.
اللافت في المعرض أن الحضور لم يتعاملوا مع اللوحات بوصفها أعمالًا صامتة، بل كرسائل مفتوحة تدعو للتأمل وإعادة التفكير في مفاهيم الهوية والتعايش والانفتاح. فكل عمل حمل سرديته الخاصة، لكنه في الوقت نفسه أسهم في تشكيل رواية جماعية عنوانها “الحوار”.
ويأتي هذا الحدث ضمن حراك ثقافي متنامٍ تشهده فيينا، المدينة التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة مساحة حيوية لتلاقي المبادرات الثقافية العربية والأوروبية. كما يتقاطع المعرض مع فعاليات فنية وثقافية أخرى تستضيفها العاصمة النمساوية، مثل مهرجانات “الفن من أجل الحرية” وملتقيات PEN Syria، التي تسعى جميعها إلى تكريس الثقافة كمساحة مشتركة للدفاع عن حرية التعبير وتعزيز التواصل الإنساني.
في النهاية، أثبت معرض “DIALOG” أن الفن لا يقتصر على إنتاج الجمال، بل يمتلك قدرة حقيقية على بناء الجسور بين البشر، وأن اللوحة يمكن أن تكون مساحة تفاهم أوسع من أي خطاب سياسي أو أيديولوجي. وفي عالم يزداد انقسامًا، تبدو مثل هذه المبادرات الثقافية ضرورة إنسانية أكثر من كونها مجرد نشاط فني.

منصة تقارير

خالد حسين البيومى كاتب صحفي رئيس مجلس إدارة موقع وجريدة أخبار السياسة والطاقة نائب رئيس مجلس إدارة موقع تقارير الصادرة عن الجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة الأمين العام للجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة عضو بالمراسلين الأجانب عضو بالإتحاد الدولى للأدباء والشعراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock