من كواليس فيينا إلى تحولات الإعلام والهجرة: قراءة تحليلية في كتاب أسامة نصحي بقلم: هالة المغاورى فيينا

في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتزاحم فيه الروايات، لم تعد الصحافة مجرد نقل للحدث، بل أصبحت ساحة لفهم ما وراءه. ومن هذا المنطلق، جاءت الندوة التي احتضنها المركز الثقافى المصرى بفيينا بالتعاون مع البيت العربي النمساوى للثقافة والفنون في فيينا، لتناقش تجربة صحفية مختلفة، يقدمها الكاتب الصحفي أسامة نصحي، من خلال كتابه الذي يتجاوز حدود السرد التقليدي إلى توثيق حيّ لكواليس السياسة والإعلام والمجتمع.
الكتاب، الذي يمتد عبر 13 فصلًا ونحو 55 ألف كلمة، لا ينتمي إلى التصنيفات الأدبية المعتادة، بل يقدّم مزيجًا بين الشهادة الشخصية والتحليل الصحفي، في محاولة لرصد ما يجري “خلف الكاميرا”، داخل المؤسسات الدولية، وأروقة السياسة النمساوية، وفضاءات الإعلام المتحوّل.
ما يميّز هذا العمل، كما أشار المشاركون في الندوة، أنه لا يعتمد على المعلومات المتاحة أو التحليل النظري، بل على المعايشة المباشرة. فالكاتب لا يروي ما حدث فقط، بل كيف حدث، ومن صنع القرار، وما الذي دار في الكواليس.
من الأمم المتحدة إلى منظمة أوبك، ومن المؤتمرات الدولية إلى اللقاءات الصحفية، ينقل الكتاب تفاصيل دقيقة عن صناعة الخبر، في وقت أصبحت فيه هذه الصناعة نفسها محل تساؤل.
واحدة من أبرز القضايا التي يطرحها الكتاب هي ملف الهجرة، الذي تحوّل في النمسا من مسألة إنسانية إلى محور صراع سياسي.
فموجات اللجوء، خاصة منذ عام 2015، لم تغيّر فقط التركيبة الديموغرافية، بل أعادت تشكيل الخطاب السياسي، وأفرزت توجهات أكثر تشددًا، انعكست في سياسات حكومية جديدة، ونقاشات مجتمعية حادة.
لكن المفارقة التي يطرحها الكتاب تكمن في التناقض بين الحاجة الفعلية للهجرة، بسبب تراجع عدد السكان وشيخوخة المجتمع، وبين رفض أشكال معينة منها، خصوصًا الهجرة غير المنظمة. وهنا يظهر سؤال جوهري: هل المشكلة في الهجرة نفسها، أم في إدارتها؟
لم يغفل الكتاب التحولات الجذرية في الإعلام، حيث لم يعد الصحفي هو المصدر الأول للخبر، بل أصبح ينافسه السياسي نفسه، الذي يخاطب الجمهور مباشرة عبر منصاته. ومع تصاعد خطاب التشكيك في وسائل الإعلام التقليدية، حتى من قادة سياسيين، باتت المصداقية نفسها محل اختبار.
ورغم ذلك، يؤكد نصحي أن الصحافة لم تفقد دورها، بل تغيّر شكل هذا الدور. فالذكاء الاصطناعي قد يساعد في جمع المعلومات، لكنه لا يستطيع أن يعوّض “اللمسة الإنسانية” التي تمنح الخبر عمقه ومعناه.
واحدة من أهم الرسائل التي يطرحها الكتاب هي أن الصحافة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة. فالصحفي، كما يؤكد المؤلف، لا يملك رفاهية الاتهام دون دليل، ولا يحق له توظيف منصته لتصفية الحسابات. بل عليه أن يوازن بين حق الجمهور في المعرفة، وواجبه في عدم الإضرار بالآخرين.
وفي هذا السياق، يكشف نصحي عن مواقف اختار فيها عدم نشر معلومات حساسة، رغم امتلاكه لها، احترامًا للسياق المجتمعي، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا لدور الصحافة في الحفاظ على التوازن، لا كسره.
تطرح التجربة أيضًا سؤال الهوية: كيف يعمل الصحفي العربي في بيئة أوروبية مختلفة ثقافيًا وسياسيًا؟
ولم تأتي الإجابة بشكل مباشر، بل من خلال التجربة نفسها، التي تعكس محاولة مستمرة لتحقيق التوازن بين الانتماء المهني والمعايير العالمية، دون التخلي عن الخلفية الثقافية.
في المحصلة، يقدّم الكتاب تجربة صحفية ثرية تكشف كواليس العمل الإعلامي في بيئة دولية معقدة، وتسلّط الضوء على التحديات التي تواجه الصحفي في نقل الحقيقة. إنه إضافة مهمة للمكتبة العربية، تعكس خبرة مهنية ممتدة ورؤية واعية بطبيعة الإعلام في عالم سريع التغيّر .




