عربى ودولى

قراءة في تصعيد حزب NEOS ضد وزيرة خارجية نمساوية سابقة هاله المغاورى فيينا

هاله المغاورى فيينا
في تصعيد لافت يعكس تحوّلات عميقة في الخطاب السياسي النمساوي، فتح حزب NEOS ملفًا شديد الحساسية عبر مطالبته بسحب الجنسية النمساوية من وزيرة الخارجية السابقة كارين كنايسل، في خطوة تتجاوز الجدل السياسي التقليدي لتلامس حدود القانون والدستور والأمن القومي. هذه المطالبة لا يمكن قراءتها كحدث معزول، بل كجزء من صراع أوسع حول تعريف “الولاء الوطني” وحدود المسؤولية السياسية بعد مغادرة المنصب.
ما يميز موقف حزب NEOS ليس فقط حدّة الاتهامات، بل طبيعتها. فالحزب لا يكتفي بانتقاد مواقف كارين كنايسل أو خياراتها الفكرية، بل يذهب أبعد من ذلك باتهامها بالإضرار المتعمّد بمصالح الدولة النمساوية، وصولًا إلى توصيف أفعالها بأنها ترقى إلى مستوى “الخيانة العظمى”. هذا الانتقال من النقد السياسي إلى المطالبة بإجراءات قانونية قصوى، مثل سحب الجنسية، يعكس تغيرًا في سقف المواجهة داخل المشهد السياسي النمساوي.
قانون الجنسية في النمسا يتيح، نظريًا، سحب الجنسية في حالات استثنائية للغاية، عندما يثبت أن الشخص المعني ألحق ضررًا جسيمًا بمصالح الدولة أو أمنها. غير أن تطبيق هذا النص يظل نادرًا ومحاطًا بتعقيدات قانونية ودستورية، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت المطالبة الحالية تستند إلى معايير قانونية راسخة، أم أنها تُستخدم كأداة ضغط سياسية ورسالة رمزية أكثر منها مسارًا قابلًا للتنفيذ الفعلي.
الانتقادات الموجهة لكنايسل ترتبط بشكل مباشر بعلاقتها بروسيا، سواء خلال فترة توليها وزارة الخارجية أو بعد مغادرتها المنصب وانتقالها للعيش والعمل هناك. في سياق أوروبي يتسم بحساسية مفرطة تجاه أي تقارب مع موسكو، تحوّلت هذه العلاقة إلى عبء سياسي ثقيل، تستثمره قوى داخل النمسا لتأكيد التزامها بالخط الأوروبي العام، وخصوصًا في ظل الحرب في أوكرانيا وتداعياتها الأمنية.
تحرك حزب NEOS لا يستهدف كنايسل وحدها، بل يبعث برسائل متعددة الاتجاهات: داخليًا، يؤكد الحزب تموضعه كقوة سياسية ترفع شعار الشفافية والانحياز الكامل للاتحاد الأوروبي؛ وخارجيًا، يوجّه إشارة إلى الشركاء الأوروبيين بأن النمسا مستعدة لمراجعة إرثها السياسي المرتبط بمرحلة الانفتاح على روسيا، حتى وإن تعلق الأمر بمسؤولين سابقين على أعلى مستوى.
يبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه الخطوة ضرورة سياسية لحماية صورة الدولة ومصالحها، أم أنها تفتح الباب أمام سابقة خطيرة قد تُستخدم مستقبلًا لتصفية حسابات سياسية تحت غطاء قانوني؟ الجدل لا يزال مفتوحًا، والملف مرشح لمزيد من التصعيد، ليس فقط داخل البرلمان، بل أيضًا في الرأي العام النمساوي، حيث يتقاطع القانون مع السياسة ومع تعريف الهوية الوطنية في زمن الأزمات.

منصة تقارير

خالد حسين البيومى كاتب صحفي رئيس مجلس إدارة موقع وجريدة أخبار السياسة والطاقة نائب رئيس مجلس إدارة موقع تقارير الصادرة عن الجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة الأمين العام للجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة عضو بالمراسلين الأجانب عضو بالإتحاد الدولى للأدباء والشعراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock